استعادة اشارات الجسد الاولى -- في منحوتات ورسومات الفنان احمد الصافي

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
15/01/2012 06:00 AM
GMT



 لا يكتمل الإرث الثقافي الأثري لبلاد النهرين بدون معاينة  كم الصخور النحتية التي لا تحصى منذ فجرالسلالات الحاكمة  وحتى نهاية العصور الحضارية الاسلامية التي تفوق العد. منحوتات فخارية ورخامية شكلت ركنا مهما  من المعمار الرافديني, مثلما شكلت ركنا طقسيا دينيا جوهريا لا يمكن اغفال تاثيراته المصيرية, والبصرية. وان كانت مادة النحت هي بعضا من مواد تشييد الصروح الدينية والمدنية. فان المنحوتات البرونزية الأثرية لتلك الحقب(على قلة مكتشفاتها) هي الاخرى كانت جزأ من محيط ضرورات استعمال هذه المادة(الحلى. وبعض الشواخص الرمزية, ومتعلقات الالة الحربية والنادر من المنحوتات التشخيصية). وان اكتسبت المنحوتات الصخرية حجومها الكبيرة ملاحما احيانا من سعة حجم الصخر نفسه. فان للصياغات البرونزية(بمعنى المصاغ) وكمرموزات, احجامها الخاصة ايضا. فمنها ما يوضع في اسس البناء. ومنها دبوس شعر للأميرة, أو قناع ملوكي.. منحوتات الفنان احمد الصافي ان كان لها من نسب أثري, فهي أيضا بعض من ايحاءات هذا الدبوس البرونزي الأميري أو راموز تلك الاسس المندرسة التي تتشبث بذاكرتنا بكل ثقلها الأثري الفريد. 

    للبرونز سحنة الجسد الرافديني الذي يستنبت التربة قمحا. ويشتل غرزات سنابل الرز الغضة غرين مزارعه. جسده هو جزء من الة الحصاد المعدنية ومذراته. ينحني كما انحناءاتها ويتلوى كما استداراتها. تغرز اصابعه بخفة وتنزلق اقدامه من على سطح الغرين الاملس بخفة أيضا هي شبه تحليق كوني. من هذه المجازات الموغلة في القدم, والمعمدة بالحاضر. اخذت اجساد منحوتات احمد الافتراضية هيئاتها الحركية وتحليقها الفضائي. هذا اذا بحثنا افتراضا عن مرجعية غير تقليدية(بالنسبة للفن الحديث) لأعمال هذا النحات المجتهد. مع ذلك فان بعضا من رسوماته او معالجاته التكنيكية التقليلة(كما هي رسوم النحاتين بشكل عام) تقودني لما ذهبت اليه. مع ذلك فان هناك مرجعية كونية اخرى, لا تغفلها العين.

 ربما لهيئة التكوين البيولوجي الجسدي للفنان بعض من صلة وصل, ولو خفية, بهيئة اجساد منحوتاته. افتراض هامشي, كما اعتقده. لكنه ربما له علاقة ما بافتراضات حدسية هي من مخلفات حواديت الفراسة التي فطمنا عليها صغارا. ما اتذكره عن احمد الصافي( ذكريات ترجع لايام دراسته في كلية الفنون الجميلة في بغداد اواسط التسعينات), جسد نحيف  ذو ايقاع سلوكي مرهف, هذا الجسد اعتقده مرادف لاهتمامه بالولع الخطي الاحفوري النحتي المتأني, ومنذ تجاربه الواضحة في فترة تاسيس منجزه الفني الاولى تلك,  لا تزال اجساده البرونزية(الخطية)  تواصل مسيرة حياتها الخاصة بخفة ساحرة, هي بعض من خفة(دماثة) سلوكيات جسد الصافي نفسه. وكما اجساده النحتية وملحقاتها الحميمة التي تتعدانا بخفة, عابرة فضاءات اقترحتها هي قبل ان يقترحها الفنان نفسه.

  لقد خلف لنا ارث النحت الافريقي(الافريقانية) كما هائلا من تنويعاته النحتية ومنحوتاته المركبة. لكني اعتقد ان اجملها, او اكثرها حميمية(التصاقا بالذات الافريقية) هي تلك الرسوم المحفورة على الصخور, والتي تمثل طقوس الصيد, وطراد الحيوانات, او الحيوانات نفسها فقط. هذه الرسوم التي كلها اجساد اكتسبت مرونتها الحركية من ايقاعات مرونة اجساد برونز الصيادين, بنحافتهم حد التحليق حركيا وتقوس اقواسهم لحظة انطلاق سهامها. انهم يتحولون وعبر هذه المنحوتات السلبية الى نوايظ بشرية تمور حركتها الراقصة كما خفقة القلب. لقد حاول السويسري(جياكومتي) عبر كل نتاجه النحتي المعروف, اصطياد ظل الجسد, لا مادته البيولوجية المترهلة. وكان قاب قوسين من ذلك, اذ غالبا ما كان يلمس رعشة هذه الاجساد بعد ان يحولها الى اطياف. احمد الصافي يحاول هو الاخر اصطياد هذه الاطياف, من منظور اخر. مع ذلك فثمة حدود تشابه بين كتل اجساد منحوتاته,وكلها اجساد, كما الاحفورات الافريقانية باجسادها الصائدة. وبعيدا عن المرجعية الحداثية لجياكومتي .

   في كتابه(تأملات في الفن الافريقي(1) يشخص مؤلفه(ليوفروبينيوس) ميزات وملامح الرسوم الافريقانية بما يلي:

  ( يتضح بسهولة وسرعة: انه اية مادة تقع بين طيات صلبة, وكل زخرفة غير قابلة للتقليد, وكل سلاح بسيط وعملي(وحتى الاشكال العديدة لخنجر الطعن, الذي يلهم بسهولة طريقة استخدامه), واي خط في الحفر بالغ الحدة والصرامة. لا يوجد شيء هنا يحاول ادنى محالولة للخداع وذلك بتعبيره عن نعومة مستسلمة, كل شيء ينضح بالنكهة ذاتها للدخان المنبعث عن نيران الاكواخ والعرق, والجلود المزيتة وغدد الخيوانات. كل شيء عملي, بسيط. وصارم.)
    في البساطة والصرامة يكمن عدم الخداع, والخداع في الفن اعتقده الحذلقة او الاستعرض, كما هو استعراض. وهذا ما تتجنبه منحوتات الصافي, هي تقودنا مباشرة لفعل الجسد عبر خطوطه العانية البسيطة والواضحة, طارحة الزوائد والعوائد. عارية الا من خفر عموميتها المستلة من عمق الجيولوجيا الانسانية المتلاقحة الملامح. هي تسجل اختلافاتها مع الولع النحتي النصبي الذي نخر النحت العراقي الحديث, ما دامت تبحث عن عدم استقرارها. هي خنجر الحصاد متحولا اجسادا, ومعفرا بدخان الاكواخ الجنوبية, وبما تبقى من عرق الكدح الحقلي.

 في السبعينات من القرن الماضي اقترحت علينا منحوتات النحات المنفي مبكرا(مكي حسين) ذائقة نحتية جديدة. من خلال شخوصه السائبة اطرافهم في  اطاراتها البرونزية. منحوتات اختزل الجسد ملامحها لصالح حركتها السائبة او المصلوبة ضمن مساحة احيازها المؤطرة. لقد كان يبحث عن انعتاق الجسد, من تابو الجسد نفسه. وكان مغايرا بعض الشيء عن طروحات اقرانه ضمن استكشافات حراك ذلك الزمن العراقي الفني. وكان لتنويعاته وقعها. اعتقد بان احمد الصافي  اقترب, وفي نفس الوقت ابتعد عن درس النموذج الذي قدمه مكي, وليذهب ابعد من ذلك, حيث يطوعه لصالح مكتسبات جديدة, تتعداه الى فضاء ارحب. فان كان فضاء منحوتات مكي مغلقا, او مكبلا بمرجعيات تعبيرية لافكار سكنته من زمنه الاول وحتى الان(منحوتاته كلها وليدة افكاره الانسانوية). فان منحوتات الصافي تعوم في فضاء فنتازي, هو بعض من تداعيات ما بعد الحداثة في درسها الاول, رغم مرجعيتها الاثرية.

    قبل ان تتضخم كتل منحوتات النحات الامريكي(الكسندر كالدر) انصابا. كانت في الثلاثينات من القرن الماضي, عند زمن تشكل رؤيته النحتية الاولى. اسلاك معدنية شكلها سيركا تتبع مهرجيه العابه الاخرى. لقد تحولت اسلاكه عوالم انسية وحيوانية متحركة على وقع نوابظها. ثم علق تجريداته اللاحقة وليدعها تدوم في الفضاء بخفة وقلق توازانتها. لقد حول النحت الى منطقة استعراض فضائية لا تخلو من فنتازيا, وحرر المنحوتات من ثقل كتلها التقليدية الثابتة. وكان مهرج بحق ضمن العديد من مهرجي الحداثة الاستكشافية الاولى. الصافي انتبه الى خفة النحت الفضائي المتحرك, فاودع انساننا الاول حبائل اشتباكاته وحيرة احيازه الفضائية, وليتبع دوامات مسارات افتراضية, من اجل ان يمنحنا ملمس خفة اجسادنا  التي فقدناها عبر دروب الحياة المتشابكة.

 تبدو منحوتات الصافي وكانها تسابق فضاءاتها, لا تخترقها. هي تتمرد على سكونية غائمة, او مفترضة. بعضها يفترض العوم في دوامة احيازه. والبعض الاخر, ومن خلال تلامس الاطراف, تتجاذبه نقيضي الحركة, التحام, انفكاك او خلاص. مع ذلك فانها لا تفقد حميميتها, كاجساد ينشد بعضها البعض الاخر. وكما الارواح في فلك مساراتها, تتصادم, او تتلاحم. لكنها لا تنفصم. بالتأكيد اعمال كهذه تنشد مسارات حركية ملتبسة. واعتقد ان هذا هو ما يود الفنان ان يلمح اليه. لا ان يكشفه بفجاجة الواقع الملتبس بنواياه او نوازعه الاكثر وضوحا. فثمة مناورة لا بد للعمل الفني ان يدرك مغزى خفائها, وكما يقترحه الفنان, لكي يوقعنا في مصائدها الذيذة.

  لقد أدرك احمد الفارق الجوهري بين الاداء النحتي والرسم. ففي الوقت الذي تؤكد منحوتاته على العلاقات الانسانية الحميمة, حتى في تحليقاتها في الفضاء. فان رسومه تحاول ان تحكي قصصا. ليسن كما القصص المتداولة, بل بايحاءات قصصية لحوادث قصية, هي بعض من موروث الشعوب الابعد زمنا. او الاكثر بدائية(لا كما تقترحها ثقافتنا الحداثوية المكبلة بايحاءاتها الانسانوية التي اقصت احلامنا الفطرية الاولى) هذه الاحلام المنعشة للذكرى الغابرة, هي ما يحاول استقدامها في رسوماته هذا الفنان. انه يبحث عن سر الخلق, لا كما(داروين). بل من خلال الموروث الاسطوري, الاقرب الى احلام الفنان نفسه. رسومه تعبيرية ـ وكما ارادها مؤسسوا التعبيرية الالمانية الاولى ـ بايحاءات او بمرجعيات اثرية محلية. هو اعتقده, وكما نحن, لا يستقيم امرنا بدون بقايا الاحلام الغابرة. وهذه الرسوم تقترح إنعاشنا بنسمة من امل نجاة غابر.

 لكلا الادائين(الرسم والنحت) ضوابط اجرائية متداخلة(في الفكرة), ومختلفة(في ادوات ادائها),. الادوات هي بالاساس مادية. ولكل مادة سيرة اجرائية وتعبيرية مختلفة. هذا ما تكشف عنه العديد من رسوم نحاتنا الكبير(جواد سليم)و كذلك خالد الرحال, واسماعيل الترك. بالتأكيد هناك بعض الملامح الخطية(من سمات النحت) عند بعظهم. لكنا ليست اساسية في ما انجزوه من رسومات. حيث اغراءات اللون بقيت لديهم طاغية. احمد الصافي, واعتقده استفاد من هذا الدرس, ليبتعد جهد امكانيته في العديد من رسومه عن الاغراءلت اللونية, لصالح الولع الكرافيكي الاقرب الى منطقة النحت البرونزي. وفعلا, لقد حقق رسومات ذات جودة عالية, ولا تبتعد في نفس الوقت عن منطقته الحلمية القصية. لقد بقيي شيء طافي فوق سطوح رسوماته من ارث الجنوب الغرييني. فهو اولا واخيرا, ورغم اغترابه, ابن هذه التربة الجنوبية, وحكاياها الملهمة.

 ثمة منحوتة خشبية لجواد سليم تمثل الأم. هذه المنحوتة عبارة عن قوس شبه مغلق(هلال) تتدلى من وسطه كرة خشبية صغيرة مضغوطة, هي الجنين او الطفل. جواد, دائما ما ينفذ افكاره الانسانية منحوتات  بثقل الواقع وحتى في مرموزاتها. القوس او الدائرة عند احمد الصائغ لا تمثل الواقع فكرة, بقدر ما تحيل الجسد نوابض حركية لا تخلو من وازع وجودي. عدم الاستقرار عنده مشحون بهاجس نقيضه, لكنه لا يخل بمعادلة استقراره استيتيكيا. هو, دائما يبحث عن حلول تضمن لحركية منحوتاتها توازنها وليس بعيدا عن منطقة ايحاءاتها. مما يضفي على هذه المنحوتات خفة توازي خفة اثيرية مبثوثاتها. ويبدو انه اشتغل كثيرا على تحقيق ذلك, وليترك اثره للاخرين مباحا, كما نشهده في الكثير من التجارب النحتية العراقية الشبابية الحالية. هذا الانجاز(اللعب على تنويعات منجز النحت العراقي فضائيا), وكما اعتقد, هو دالته التي تحسب له.
.................................................................................................................................
*ـ تأملات في الفن الافريقي  تأليف ليوفروبينيوس  ترجمة سوسن فيصل السامر  الموسوعة الصغيرة  . العدد (232).
 .......................................................................................................................
علي النجار  
مالمو ـ2011ـ12ـ28